روابط الوصول


تقدمة ريف

كتابة روان ناصيف

ريف: أساطير ومعتقدات

في دورته العاشرة، يقترح مهرجان “ريف، أيام بيئية وسينمائية”، برمجة تضمّ مروحة من الأفلام التي تسائل دور الأساطير والمعتقدات في زمننا الراهن، كما تقدّم عدسات مختلفة لرؤية هذه الحوارية. في عالم يتغيّر بلا هوادة، تسعى مجتمعات كثيرة، إلى إعادة امتلاك كل هذا الإرث الغني، وإعادة اكتشافه، بل إعادة اختراعه والمحافظة عليه، بعدما تعرّض للتدمير في القرن الأخير، نتيجة التوسّع العمراني السريع، والعولمة التي طالتنا تأثيراتها بلا استثناء. أجيال جديدة باتت تبحث بشكل متزايد عن جذورها، تفتّش عن سمات ثقافية مميّزة، وتتشبّث بدلالات هوياتية تمنحها، كما منطقتها، تفرّدًا ما، سواء كان ذلك كقيمة قابلة للبيع في السوق، أو كمعنى للتمسّك به. من أطباق طعام معيّنة، إلى أزياء الملابس، والأعشاب الطبّية، والتقنيات المعمارية القديمة، والتوقّعات الجويّة، والخبرات الزراعية، وهكذا دواليك من النتاج المعرفي المهمّ الذي استندت إليه الأجيال السابقة بهدف شرح العالم الذي عاشت فيه. في الفسيفساء الحالية من التبادل الثقافي، يتم الاحتفاء بالألوان، والنكهات، والتنوّع. كما يتم نبش الأساطير القديمة، والقصص، والمعتقدات بهدف إلقاء ضوء جديد موصول بزمن الأسلاف على القضايا الراهنة. ها نحن، الحفيدات، نبحث اليوم عن حكمة الجدّة القديمة بعدما اصطدمنا بالجدار، ولم نبلغ السعادة والازدهار اللذَين وعدتنا بهما الحداثة. وها هي المعرفة والدراية اللتان تمتَّع بهما أجدادنا، تستحيل موضوعًا للاحتفاء بعدما تقلّصت الموارد اليوم واختنقت المدن. ثمة عودة جديدة إلى الأرض وإلى الوسائل القديمة، ومعها إعادة مساءلة لكلّ ما تعلّمناه في نزوحنا إلى المدينة، وما اعتبرناه تحصيلاً حاصلاً من الحياة الريفية. على سبيل المثال، صارت الزراعة خسارةً مالية، ليس بسبب فقر المحصول، بل بسبب اقتصاد السوق الذي أدّى إلى إفقار المزارعين، مفضّلاً عليهم سكّان المدينة. أما الثنائية القديمة التي تضع “القرى والعادات المتخلّفة” في مواجهة “المساحات الحضرية المتقدّمة”، فقد صارت محلّ تشكيك، وبات اليوم يُنظر إليها على أنّها نظام اقتصادي. على ضفة مقابلة، تشكّل الأساطير والمعتقدات، أكانت في المناطق الحضرية أو الريفية، ركائز تقاليد العصر الحديث، وتبريرًا لتطبيقاتها الاجتماعية. بدورها، تنشر التقاليد هذه الأساطير والمعتقدات، وتحافظ عليها عصيةً على العصور. وعلى رغم الحروب، والهجرات، والاجتياحات الثقافية، استمرّت هذه التقاليد والمعتقدات وعبرت امتحان الزمن، ورافقتنا طوال الرحلة، بل إنّ بعض الأساطير والمرويات شكّلت مصدر إلهام، وعاموداً فقرياً للعديد من الأعمال الفنية والأفلام السينمائية، واستحالت وسيلةً لنقل العلم والمعرفة إلى أجيال عديدة. لكن بين ما يجب الاحتفاظ به وما يدفعنا قدماً، وبين ما هو رثّ يجب وضعه على رفّ النسيان، سؤال كبير لطالما ظلّ حاضراً بقوة: المعركة بين التقليد والحداثة، العلم والدين، قديمة قدم الكتابة نفسها. في “تيتيكس” (تانيا هرنانديز فيلاسكو، المكسيك)، نؤخذ بالألوان، بالإيقاعات وبدورة الطبيعة، ونحتفي بالتقاليد القديمة، ونبكي خسارتنا. في موسم غرس أخير، يخلق تكرار الحركات نوعاً من سمفونية، تماماً كالشمس، والمطر، والغيوم. اعتنى الجدّ بالأرض، وفي المقابل تذكّرته الأرض، وبكت موته. من دون تجربة الزراعة بشكل فعلي، ومن دون دراية الجد التي اندثرت بموته، ستحاول الابنة والحفيدة عملية غرس أخيرة، كي تقنعا الجدّة بالاحتفاظ بأرض العائلة. منح الموسم الزراعي للكلّ وقتًا للحداد، للدخول مجددًا في مواسم الحياة من الغرس، إلى الحرق مرورًا بالحصاد. تماماً مثل عمر الإنسان، للفاصولياء السوداء عمر محدّد. هناك حكمة تكمن في انتظار محصول جديد، وقت للروح كي تغادر، وقت كي يتقبّل الإنسان فقدانه: فقدان الجدّ، وفقدان المعرفة والدراية. لكن على الرغم من أنّ العديد من الأساطير والمعتقدات جاءت كَتفسير لبعض الظواهر في زمنها، بل كانت ربما طليعيةً في إيجاد حلول قابلة للتطبيق ومنطقية في بيئتها، إلا أنّ نقلها من جيل إلى آخر، من دون الأخذ في الاعتبار التغيرات التي حصلت في السياق والواقع، إنما يجعلها عدائية، غير مفهومة وقمعيّة. يكمن الخطر حين تصبح الأسطورة التفسير اليتيم لواقع ما، بدلاً من أن تكون تفسيراً من بين تفسيرات عديدة محتملة. يزداد هذا الخطر خصوصاً مع الأمية وغياب التعليم، وحين يكون الفرد مجرّدًا من الأدوات الضرورية لتحصيل المعرفة لنفسه، فيلجأ إلى تفسيرات شخص آخر يعتبره المجتمع أكثر حكمةً. كذلك، تلعب السلطات الدينية دورًا في الحفاظ على المعتقدات الاجتماعية، وتعدّ الناقل المثالي للمحافظة على الأساطير والسلوكيات بما أنّه لا يمكن مساءلتها بسهولة، فهي تتمتّع بتسلسل هرمي فطري، وتتطلّب ثقة وإيماناً بكلمات رجل الدين الذي أُعطي القوة والحكمة من عند الله. من جهة أخرى، فإنّ التقاليد والأساطير يوظّفها أيضًا المؤمنون بها والمنتفعون منها في محاولة للحفاظ على الوضع القائم، وصون الهرمية، وإملاء المعتقدات المتحجّرة، وفرض بعض السلوكيّات على المجتمع بشكل عام، والنساء بشكل خاصّ، خصوصًا في المجتمع البطريركي حيث المرأة والطفل يُعتبران في مرتبة أدنى من الرجل، وفي حاجة دائمة للحماية، وعاجزَين عن اتخاذ القرارات، وغير واعيَين لحاجاتِهما. يُنظر إليهما أيضًا على أنّهما يعيشان في ظلّ نظام بهدف واحد هو تأدية بعض الواجبات لربّ الأسرة الرجل، مثل الحَمْل، والخدمة، والطاعة. في هذه الحالة، تشكّل الأساطير والمعتقدات السبب الذي يُوظَّف بهدف تقليص حريّة المرأة في اختيار مصيرها، وتبرير قطع جسدها وحجبه. على سبيل المثال، يستعيد أم غايب (نادين صليب، مصر) مكابدات امرأة مصريّة تحاول الحَمْل. حنان التي لا تملك خيارًا سوى العيش على هامش مجتمعها بسبب عقمها، تتأرجح بين حلم ينزلق بعيدًا عنها شيئًا فشيئًا، وبين كفاحها للعثور على مكان تنتمي إليه. وبينما كل شيء حولها يعجّ بالخصوبة والموت، تتساءل هي كيف تعطي معنى للوقت القابع بينهما. يرافقنا الفيلم في رحلة عبر منظومة من الخرافات الشعبية والأطباء المشعوذين الذين يطيلون معاناة حنان، ويؤجّجون رغبتها في إنجاب طفل، ويقنعونها بأنّها ليست امرأة كاملة إذا لم تكن أمًّا. يصوّر الفيلم بشكل بليغ نظرة المجتمعات إلى المرأة التي لم تنجب، وكيف أنّها تعتبر حلم الأمومة ــ مع كل الضغط الذي يستتبعه ــ دورًا أساسيًا بالنسبة إلى المرأة، ونقترب من العلاقة الرّقيقة بين حنان وزوجها، لنشاهد كيف أنّ النظام البطريركي يؤثّر في الجنسَين. كذلك، نشاهد في “ستموت في العشرين” (أمجد أبو العلا، السودان) كيف أنّ البطريركية كمنظومة، تمسّ كل الأجناس، وكيف أنّ الأساطير الدينية تغيّر حياة النساء والرجال على حد سواء. فنبوءة الخليفة بأنّ المولود مزمل سيموت في العشرين، ستؤدّي إلى تفكيك الأسرة، حيث يذهب كلّ في طريق مختلف، لأنّ “الخليفة لا يخطئ”. يستسلم مزمل لقدره بالعيش في ظلّ الخوف والموت، يقمع رغباته، وينوء تحت عبء اللعنات، حاملاً ثقل أسطورة دينيّة وأب غائب وأم مفرطة في الحماية إلى أن يبلغ الـ 19 من عمره، فيواجه نفسه أخيرًا. إلا أنّ بين ثنائية العودة إلى التقاليد والهروب منها، خطّاً ثالثًا رفيعًا بدأ بالبروز: توازن بين الاثنين. دعوة إلى تشريح هذه التقاليد وانتقاء منها ما يستحق الاحتفاء به، وما لم يعد ساريًا، ونبش التعقيد الكامن وراء كل نظام. إنّها حوارية تتغيّر باستمرار. نقاش يتمحور حول كيفية المشي على ذلك الخيط الرفيع بين التقليد والحداثة… كيف العثور على التاريخ والحقيقة والحِكم القديمة المخبّأة في ثنايا هذه الأساطير، من دون أن تقيّدنا. كيف ننبشها، ونتفحّصها، وننظر إليها بعدسة جديدة، ليس فقط للحفاظ عليها، لكن أيضًا لبلوغ معان جديدة ذات جدوى، في عالم حديث يتغيّر بلا هوادة. على سبيل المثال، يصف فيلم “الستّ” (سوزانا ميرغني، السودان) هذه الحوارية بأفضل ما يكون. إذ إنّه يؤكّد على تعقيد القوة التي يمكن للمرأة أن تتمتع بها حين يموت زوجها، ويظهر كيف أنّ البطريركية تفضّل النساء في ظروف معينة. يقدّم الفيلم الخيارات الثلاثة التي تقف مجتمعاتنا أمامها: الأم التقليدية التي تؤمن بأنّ الأفراد يرثون سماتهم من عائلتهم، وأنّ القدر مكتوب، وأنّ الفتاة لا تستطيع اختيار زوجها المستقبلي. وهناك المهاجر المستغرِب الذي يعود إلى دياره كي يقترن بامرأة من قريته، لكنّه يثمّن التطوّر والمال وقصص الضيعة الخيالية فقط. وهناك طريق ثالث، طريق الفتاة المتجذّرة في أرضها، التي تدرك أهميّة القطن السوداني، والزراعة التقليدية، لكنّها تختار القطع مع التقاليد، حين يتعلّق الأمر بحياتها الشخصية. في مثال آخر، يلعب “غدي” (أمين درة، لبنان) بالأساطير والمعتقدات ويجيّرها لصالحه بطريقة جدّ مبتكرة. ليبا، الشخصية الرئيسية وأستاذ الموسيقى، يستخدم قوة التمثيل والسحر اللذين تتمتع بهما الأساطير، من أجل دفع مجتمعه إلى تقبّل ابنه المنبوذ بدعوى أنّه “غير طبيعي”. يظهر الفيلم كل الكليشيهات والصور النمطيّة في حيّ لبناني، بكل شخصياته النموذجية والمتوقَّعة بدءًا من الزوجين المتخانقين، واللصّ، والزوج الذي يعنّف زوجته، وصولاً إلى الضغط الممارَس على الشباب للزواج وإنجاب مولود ذكر… تميل التقاليد إلى تجانس السلوكيّات وتفنيد الناس في أدوار معيّنة مقبولة، لكنّ المشكلة في “الأمر الطبيعي” أنّه يضعنا في إطارات جامدة غير دقيقة، في حين يتجاهل الأقليات والتنوّع العرقي والبيولوجي والجنسي. تفصيل يضيء عليه “غدي” بطريقة مبهرة. التغيير لن يأتي سوى من هؤلاء الشاذين عن القاعدة في مجتمع “طبيعي” خبيث. على ضفة مقابلة، يذكّرنا “سيبال” (غيّيوم جيوفانيتّي وتشاغلا زينسيركي، تركيا) بذات الرّداء الأحمر ضمن نسخة نسوية، حيث المرأة هي الصيّاد، والمجتمع الذئب. تعيش ابنة الـ 25 ربيعًا مع والدها وأختها في قرية منعزلة في منطقة البحر الأسود التركية. سيبيل بكماء، لكنّها تستخدم صفير الأجداد للتواصل، تنبذها نساء القرية لأنّها مختلفة، لأنّها تصطاد، وتتصرّف كالرجل. ينظر الآخرون إلى خرسها على أنّه لعنة، مع أنّها تتواصل بكل يسر، وتبذل جهودًا مستمرّة بهدف تقبّلها من المجتمع. تمضي معظم وقتها في الغابة، محاولةً اصطياد ذئب يُعتقد بأنّه يحوم دومًا حول صخرة كبيرة تذهب إليها النساء للزواج. وتمامًا كما في قصّة خيالية خضعت للتفكيك، فإنّ لا شيء كما يبدو عليه. الرجل، والذئب، والفتاة، والأب كلّهم يواجهون تحدّياتهم ولا يطابقون السرديات التقليدية. تمتلئ الأساطير بالسّحر، والتنبؤات، والقوى الكونيّة، والخدع، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السينما، أكبر مخترع ومصوِّر للأساطير الجديدة والقديمة: من أفلام الأبطال الخارقين، إلى السرديات الديستوبيّة، إلى عوالم مسحورة أخرى، وصولاً إلى الأخوين رحباني اللذَين نحَتا ورسّخا الأسطورة اللبنانية في مِخيالنا الجمعي… يعجّ تاريخ السينما بالقصص الخرافية. فوسيط الصورة المتحرّكة منذ كهف أفلاطون إلى الشاشة الكبيرة، يلائم تمامًا صنع الوهم، وهو قادر على الدفع ببعض الأساطير المحليّة إلى حدودها القصوى، معيدًا اختراعها في حلّة جديدة، يوثّقها ويشيعها في العالم الجديد. عند ذلك الخيط الرفيع، عند الهامش ما بين الخيال والواقع، الخدعة والضوء، تزدهر السينما. يشكّل “سيدة البحر” (شهد أمين، السعودية) أفضل تمثيل لهذه القدرات السينمائية، حيث الفتيات الصغيرات يصبحن بطلات، والمعايير الجندرية تنقلب رأسًا على عقب، والأساطير تخضع للمبالغة إلى درجة مضحكة، بهدف التفكير في عادات مشابهة لكن أقلّ فظاعة ما زالت سائدة في مجتمعاتنا. في أرض بعيدة، في زمن آخر، وفي حضارة غريبة، عاشت “حياة”. لكن حقيقةً، يتساءل المرء: إلى أي مدى بعيدة هذه الأرض؟ وكم هي المسافات التي تفصلنا عن ذلك الزمن؟ “سيدة البحر”، الذي يدور في إطار ديستوبيّ، يحكي قصة “حياة”، الشابة التي تتمتع بعزيمة قوية، تعيش في قرية صيد فقيرة وتعيسة، محكومة بتقاليد مظلمة تملي على كل عائلة أن ترمي ابنة من بناتها لمخلوقات البحر التي تعيش في المياه المجاورة. في المقابل، يُسمح لرجال القرية بصيد مخلوقات البحر. الكلّ كان يعاني في تلك القرية، إلى أن جاءت “حياة” ووالدها وغيّرا كلّ شيء. ليس بالضرورة أن تكون الأمور على ما هي عليه، ويمكن للمجتمعات أن تجد طرقًا أفضل للعيش، لو سمحنا لأنفسنا، وللنساء خصوصًا، بخلق أساطير جديدة. يمكن للأساطير أيضًا أن تقع بسهولة بين أيدي صنّاع السياسات الذين سيتلاعبون بها ويضخّمونها لغايات ربحيّة. السحر يبيع، ويتفوّق على القانون والمنطق، ولهذا لطالما ارتبطت الشعوذة بالخرافات والمعتقدات الدينية، ووصلت السياحة الروحية والشامانية إلى الذروة. ومجدداً، نتيجة للبحث عن المعنى والعدل في البيئة الريفية، والمحافظة على الصلة ما بين القديم والجديد، وجدت بلدان كثيرة نفسها عالقةً ما بين بين، محاولةً إيجاد صيغة تعايش بين نظامي سلطة مختلّين: المماليك التقليدية القديمة، والجمهوريات الحديثة المؤلفة من الموظفين المدنيين. في “أنا لستُ ساحرة” (رونغانو نيوني، زامبيا)، تصل “شولا”، ابنة الثماني سنوات، إلى قرية في زامبيا، فيرتاب السكّان في أمرها، ويطلبون إخضاعها للاختبار لمعرفة ما إذا كانت ساحرة. يصدر الحكم ويدينها بالعيش في معسكر تديره الدولة، هو خليط بين متنزه ترفيهي وسجن أعمال شاقة كانت الحكومة تستخدمه بهدف استغلال تقاليد الساحرات، وقمعها، وتسخيفها، والتربّح منها. تُربط “شولا” بشريط أبيض طويل، وتُحذَّر بأنّها لو قطعته، ستتحوّل إلى ماعز. وعليه، خوفًا من أن تصبح ماعزًا، استحالت ساحرة تسيطر عليها الحكومة، مجبرةً على القيام بأعمال سحر زائفة للسيّاح، وتَحكم حدسيًا في المحاكم المخصّصة في ظلّ غياب أي نظام قضائي حقيقي. لم تصبح تقاليد الساحرات محلّ سوء استخدام واستغلال لقمع الآخرين وإخافتهم فحسب، بل إنّ الساحرات أيضًا كنّ الضحية الأولى، وصرن دمى حبيسةً في خدمة النظام، الذي يبيع تاريخه الخاصّ، ويعرض تقاليده للسيّاح.
في الخلاصة، أكان الأمر يهدف إلى الاحتفاء بالتقاليد القديمة، أو توثيق الأساطير الشائعة وتسجيلها، والبحث عن المعاني الكامنة في الحِكَم العريقة، أو دعوتنا للعودة إلى الأرض والتقنيات الراسخة، والقطع مع الأيديولوجيات الرجعيّة، ومساءلة المعتقدات الدينية القائمة على الهرمية، وفضح الشعوذة الروحية، والمرافعة عن تحرير جسد المرأة، وشجب البطريركية كمنظومة، وتشجيع خلق معتقدات جديدة، والتنديد بصناعة السياحة القائمة على الاستغلال، والإضاءة على العلاقة المركّبة بين الأساطير والمجتمع، لطالما وقفت السينما في مقدّمة الحوار حول الأساطير والمعتقدات. هذه الأفلام المذكورة، ترمي حجرًا في مياه فكرنا، وتقدّم بدائل وعدسات جديدة لاستدعاء ما اعتبرناه ربما تحصيلاً حاصلاً، لأنّه كما قالت سعاد: “لا أحد يعلم، لربّما هناك خيار آخر”.